النقود لن تدوم إلى الأبد -وهذا أمرٌ مُؤكَّد
لم تكن النقود موجودةً حين تطوّر نظام المقايضة ليصبح سمةً من سمات أول نظامٍ اقتصادي عرفته البشرية، ولن تدوم بعد انتهاء فائدة استخدامها؛ وذلك الوقت يقترب أسرع بكثير مما يرغب المتمسكون بالتقاليد في الاعتراف به.
والواقع أنَّ تطوُّرنا إلى مجتمعٍ غير نقدي إلى حدٍ كبير قد قارب على الاكتمال: فنادراً ما أحمل معي نقوداً فعلية، ويمكنني إحصاء المرات التي حملت بها نقوداً في محفظتي خلال الأعوام الثلاثة الماضية على أصابع اليد الواحدة. لقد صارت النقود الورقية والعملات المعدنية أمراً عفى عليه الزمن.
هذا هو ما لا يفهمه مَن يتباهون باستهتار بأنَّ العملات المشفَّرة فقاعة: أنَّ الناقد لا تكترث لرأيهم، بل هي مجرد وسيلةٍ للتبادل. وحين يحل شيء آخر أكثر فعالية محل فائدتها؛ فستندثر. وهي الآن أشبه بالكائنات المُهدَّدة بالانقراض التي يحاول بعض الأصوليين إنعاشها مرةً أخرى، لكن الصياديين غير القانونيين يعملون على هدم الركائز التي كانت تدعم أساس النظام واحداً تلو الآخر مع الأسف.
وقريباً؛ ستنهار النقود.
فبما أنَّ تقييمات العملات النقدية لم تعد مرتبطةً بأيّ سلعة، ومع كون سعرها قد صار مستقلاً تماماً وصارت تقييماته تتوقف على ما نفترضه جماعياً؛ أعطني حُجةً واحدة صادقةً ووجيهة تقنعني بأنَّ العملات النقدية ليست هي الأخرى فقاعة! أعطني سبباً منطقياً مترابطاً يجعل للنقود الورقية أيّ قيمة غداً، في حال توقفنا عن الاعتقاد بقيمتها اليوم. ودون اللجوء إلى حُجة السابقة التاريخية، أو حجم البنوك المركزية ونطاقها، أو الوعود التي قطعتها تلك المؤسسات بأن تحافظ على تقييم معين؛ فما الحُجة المُضادة التي تمتلكها؟
وجوهرياً، ما تزال المسألة مسألة ثقةٍ واعتقاد. إذ أنَّ ذلك يُجبرك على التفكير بأنَّه ربما يكون هناك حلٌ تكنولوجي يفرض مستوى من الثقة والاعتقاد لا يمكن تصوُّره في ظل نظامٍ يحكمه البشر.
ولعل حُجتك ما تزال أنَّ العملات المشفَّرة مُجرَّد فقاعة، إلَّا أنَّني سأثير أمامك وجهة النظر القائلة إنَّ كل النقود فقاعةٌ أيضاً، لأنَّها نتاج الاقتران بين معتقداتنا وآمالنا بأنَّ قيمتها سوف تبقى كما هي، وكذا الأمر بالنسبة للأوراق المالية والأسهم والسندات.
ولطالما كانت النقود، وما تزال، على مدار الثلاثين عاماً الماضية بناءً فكرياً يرتكز على الثقة الإنسانية في الحوكمة. غير أنَّ الثقة في تلك المؤسسات قد وصلت إلى أدنى مستوياتها على مر التاريخ؛ فنحن لا نثق بالأسباب التي تُبرِّر بها القرارات التي تتخذها، ولا بدوافعها للتصرف في صالحنا، ولا بقدرتها على تحقيق مستقبلٍ أفضل.
ولا تُمثِّل العملات المشفَّرة المستقبل لمجرد أنَّ هذا هو ما تريد منك مجموعةٌ متلزمة من الحالمين أن تصّدقه، بل هي المستقبل لأنَّها تمثّل نظام تشغيلٍ جديد في عالمٍ يتسم باللامركزية. وتُمثِّل المستقبل لأنَّها تستعيد السيطرة على أمورٍ نعتمد عليها بشدة من أجل بقائنا واستمرارنا. وتُمثِّل المستقبل لأنَّها هنا بالفعل، وتُحدث فارقاً في طريقة تصرُّفنا. إذ مكّن البتكوين جيلاً كاملاً من الفنزويليين من أن يكون لديهم بديلٌ عن التضخّم الفادح المتروك دون رقابة بسبب الفساد.
- لم نعد مضطرين للوثوق بالحكومات لتحكمنا، وتصف بطيشٍ سياسات نقدية خطيرة يجب علينا أن نقبل بها.
- لم نعد مضطرين للقبول بحالات التقشّف التي تُفرض علينا بسبب التدخل الحكومي في الانهيار المالي، بينما لا تُفرض أي عقوبة على الأفراد المتسببين فيه.
- لم يعد مستقبلنا متوقفاً على أهواء الحكومات.
فلتُدلِ بأي حُجةٍ تشاء عن أنَّ قيمة العملات المشفَّرة مبالغ فيها، أو عن كونها تخضع للتلاعب، أو عن أنَّها ليست وسيطاً مجدياً لحدوث المعاملات المالية السريعة!
لا بأس، ولكن ما السعر الذي تضعه مُقابل السيطرة؟
ما المقابل الذي تحدده للثقة المبرمجة في سجلٍ غير قابل للتغيير، يمتلك فيه المشاركون مفاتيح تتحكم بكيفية تطوّر المنصة، ويحل فيه الإجماع محل اتخاذ القرارات التحكمية من طرفٍ واحد؟
إن لم تكن تفهم تداعيات ذلك؛ فأنت لست منتبهاً لما يجري.
وإن لم تكن تفهم كيفية عمل العملات النقدية؛ فأنت لست مؤهلاً لأنَّ تُصدِر حكماً حول ما إذا كانت العملات المشفَّرة سوف تنجح أم لا من الأساس. وبالمثل، إن لم تكن تفهم آليات التعدين والتكنولوجيا الأساسية التي تُشغِّل العملات المشفَّرة واقتصاديات الندرة؛ فأنت لست مؤهلاً لأن تخبر أي أحدٍ عن سبب كونها ثورة.
لذا ثقِّف نفسك، وافهم لماذا بدأت الأمور تتغير، وقدِّر قيمة التكنولوجيا الكامنة وراء الثورة لأنَّها قادرةٌ على التأثير إيجاباً في التقدُّم الذي يمكن لهذا النظام الجديد أن يحرزه. وإلَّا ستكون مجرد محتالٍ جاهل آخر يُدلي بتكهناته لكسب الأموال، في حين أنَّه يضرّ أكثر مما ينفع.
ومع كل ذلك، دع السوق يأتي إليك إذا كنت تؤمن بالعملات المشفَّرة. وافهم أنَّ نجاح النظام متوقفٌ على الإيمان الراسخ بأنَّه، على مر التاريخ، لطالما أدَّى الابتكار إلى إحلال ما هو موجودٌ بالفعل.
وإذا كان النظام أفضل، بأضعافٍ مضاعفة، فلن يمكن لأيّ شيءٍ على الإطلاق أن يقف في طريق التقدم. وللسبب نفسه، قضت غوغل Google على مُتصفِّح ياهو Yahoo، وتغلَّب فيسبوك Facebook على موقع ماي سبيس MySpace، وسوف يدمر البتكوين والإيثريوم (ETH) كافة النقود الورقية.
ومثلما هزمت شركة أمازون Amazon متاجر التجزئة الواقعية شر هزيمة، فسوف تقضي العملات المشفَّرة على البنوك. وإن لم تكن تتوقع حدوث ذلك، فأنت لست منتبهاً لما يجري.
دع غير المؤمنين بالعملات المُشفرة لينعموا بوقتهم! لكن لحظة ضغط البنوك زر التيسير الكمّي كانت اللحظة التي وقعّت فيها أمر إعدام نظام التشغيل الرأسمالي الذي احتكر العالم.
ولكنَّ الرأسمالية لن تختفي من الوجود، بل إنَّ العملات المشفَّرة هي مجرد وسيلة أكثر كفاءة تسمح بتحقيق قدرها المحتوم.
التقدم عملية مستمرة.
والعملات المشفَّرة هي مجرد ترقية
إخلاء المسؤولية: الآراء والتحليلات والأخبار الواردة لا تعكس رأي بت شين. لا ينبغي اعتبار أي من المعلومات التي تقرأها على موقع بت شين بمثابة نصيحة استثمارية، ولا تصادق بت شين على أي مشروع قد يتم ذكره أو ربطه في هذه المقالة. يجب اعتبار شراء وتداول العملات المشفرة نشاطًا عالي المخاطر. ويرجى بذل المجهود الواجب قبل اتخاذ أي إجراء يتعلق بالمحتوى المذكور ضمن هذا التقرير. لا تتحمل بت شين أي مسؤولية في حالة خسارة الأموال في تداول العملات المشفرة.