قبل الحرب الأهلية مباشرة، وقبل الاحتياطي الفيدرالي بكثير، كان لدى الولايات المتحدة 8,000 نوع من المال. كان مجرد شراء البقالة عملية فوضوية ومربكة. وأصدرت البنوك الخاصة أوراقاً نقدية مع وعد بدعم قيمتها بالذهب والفضة، ولكن كانت قيمتها الفعلية تخضع لتأويل وتقدير أي شخص. وسرعان ما انضمت شركات أخرى إلى هذا الصراع؛ مثل متاجر الأدوية، ومناجم الفحم، والسكك الحديدية، والتي كانت تمثل الجهات الأكثر ثراء في هذا الوقت.

 

والقديم يعيد نفسه بواسطة طبقة النبلاء الجدد التي تسيطر على البنية التحتية الرقمية.

 

في يوم الخميس، 28 فبراير/شباط، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل جديدة حول جهود فيسبوك لإنتاج عملتها الرقمية. وتتداول الأخبار أن أول إطلالة لفيسبوك في مجال البلوكتشين ستتخذ الشكل الذي يطلق عليه “العملة المستقرة”، حيث يتم دعم قيمة العملة الرقمية بعملات مادية – وفي هذه الحالة، سلة من العملات العالمية. تكمن الفكرة في إخماد التكهنات والاضطرابات المتزايدة والتي عصفت بالعملات المشفرة الأخرى، مثل البتكوين، مما يجعل العملات أكثر ملاءمة للاستخدامات اليومية مثل شراء الوقود أو الوجبات (أو ربما شراء منزل لقط جارك من متجر فيسبوك).

 

وأشارت تقارير التايمز إلى زيادة حجم فريق البلوكتشين بالشركة إلى أكثر من 50 شخص، مطوقّين في جناح خاص بوصول مقيّد ببطاقات خاصة، ومن المتوقع أن يصدروا منتجهم في غضون ستة أشهر. وتتناول الشائعات، منذ شهر أبريل/نيسان الماضي، خطط فيسبوك، عندما اختارت الشركة ديفيد ماركوس، الرئيس السابق لفيسبوك ماسنجر، لتولي قيادة الفريق المخصص للبلوكتشين.

 

ستعزز العملة الجديدة من الروابط المدمجة لمستخدمي واتساب Whatsapp البالغ عددهم أكثر من 1.5 مليار مستخدم، وهناك مليارات المستخدمين المحتملين الآخرين في حال إصدار العملة على إنستاغرام Instagram أو فيسبوك نفسه. وهذا وحده سيجعلها منافساً فورياً لشركة فينمو Venmo (والشركة المالكة، باي بال PayPal) ولشركة وي تشات باي WeChat Pay الصينية، التي تحاول الانتشار في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة. ولكن لا تستخدم أي من هاتين الشركتين البلوكتشين لإرسال الأموال، أو حتى تستخدم عملاتها الخاصة؛ حيث يدفع مستخدمو وي تشات في الصين بعملية اليوان، كما يدفع مستخدمو فينمو الأمريكان بالدولار الأمريكي. وهذا يحقق ميزة واضحة لفيسبوك، فعند استخدام عملة رقمية مدعومة بعملات متعددة، سيتيح ذلك للمستخدمين إرسال المدفوعات العابرة للحدود بتكلفة أقل. في شهر ديسمبر/كانون الأول، أشارت تقارير صحيفة بلومبرغ Bloomberg إلى أن العملة سيتم اختبارها أولاً عبر مستخدمي واتساب في الهند، حيث تزداد الحاجة إلى وسيلة دفع عابرة للحدود.

ولكن يبقى السؤال، ما الذي قد تقدمه عملة بلوكتشين مشفرة لفيسبوك ولا يمكن لوسائل الدفع الحقيقية والمجربة تقديمه؟ تواجه تقنية البلوكتشين مجموعة من العقبات، وخاصة فيما يتعلق بالخصوصية. يقدم البتكوين، على سبيل المثال، سجلاً شفافاً نسبياً للمعاملات، وهو أمر غير جيد إذا كنت تفضل التسوق بعيداً عن أعين الأصدقاء، والمعلنين أو الحكومات – ناهيك عن فيسبوك نفسه. هناك تقنيات أخرى مثل zk-Snarks تقدم عملات مشفرة أخرى، مثل عملات الزد كاش (ZEC) التي تتسم أكثر بـ”الخصوصية” وإخفاء الهوية. ولكن حذّر رئيس الأمن السابق بفيسبوك، أليكس ستاموس على تويتر، بأن حجم فيسبوك بالإضافة إلى تطور الخصوصية قد يحول العملة إلى “آلية عالمية في متناول الجميع لغسل الأموال، والتهرب الضريبي، والجرائم بشكل عام”.

 

ومن غير المرجح أن تسمح فيسبوك بحدوث ذلك. باتباع فيسبوك منهجاً مركزياً، يمكنها تجنب التباطؤ والتكاليف العالية لسلاسل البلوكتشين اللامركزية، مثل البتكوين، ومراقبة الاستخدامات السيئة لعملتها. وعلى أي حال، فإن العملة المستقرة المدعومة بأموال حقيقية تكون متمركزة بطبيعتها: يجب أن يتطابق حجم العملات المطروح مع الغطاء النقدي الوفير لفيسبوك، وإدارتها بعناية وحذر.

 

ويقول جوشوا غانز، أستاذ الإدارة بجامعة تورنتو، أن هذا النهج يثير قلقاً من نوع آخر. وتساءل إذا كان فيسبوك قادراً على تحقيق أهدافه المذكورة دون أن يبدو كبنك مركزي خاص. وأشار إلى صعوبة الحفاظ على رابط بين العملة الرقمية والعملات الحقيقية، ومراقبة الإنترنت للتأكد من عدم التلاعب بأسعار الصرف أو بيع العملة من قبل المستخدمين في نفس الوقت.

ويقول: “إذا كنت مكان فيسبوك، ستريد الذهاب إلى جانيت يلين (نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق) وتسألها إذا كان بإمكانها طرح ذلك؟ ولن يكون أي شيء أقل من ذلك مقبولاً”.

ستظهر هذه المشكلة بشكل خاص عندما تغادر العملة جدران فيسبوك ويتم تداولها مقابل الأموال التقليدية. يقول إيمين غان سيرير، أستاذ علوم الحاسب بجامعة كورنيل، إنه قد يكون على فيسبوك الاعتماد على آخرين في هذه المهمة. وتشير التايمز إلى أن نظام تداول العملات المشفرة الحالي قد يتناول الأمور اللوجستية مثل التحقق من الهويات وتخزين بعض الأموال. حتى منصات التداول التي تم إنشائها وفقاً لمعايير الصناعة الناشئة واجهت بعض المشكلات (كوادريغا سي إكس QuadrigaCX مثالاً). وهذا يطرح تساؤلاً حول عدم قيام فيسبوك بذلك بنفسها، سواء بإنشاء منصة تداول أو الاستحواذ على إحدى المنصات القائمة بالفعل.

وهناك أمل وحيد لمناصري العملات المشفرة مجهولة الهوية بأن تبدأ فيسبوك بنهج مركزي ثم ترخي قبضتها تدريجياً – خاصةً وأن التقنية الجديدة تجعل البلوكتشين اللامركزية أكثر قابلة للتوسع. وفي بدايات هذا الشهر، استحوذت فيسبوك على تشين سبيس Chainspace، وهي شركة تعمل على زيادة سعة البلوكتشين. ويقول سيرير، مؤسس شركة آفا لابز Ava Labs التي تعمل أيضاً على حلول التحجيم: “نتوقع منهم اختبار واستطلاع الأمور، وليس إرضاء مناصري إخفاء الهوية”. ويضيف: “السؤال المطروح هو، هل ستكون هناك عقبات، هل سيتبنون إمكانات العملات المشفرة، أم يحولونها إلى حديقة مسوّرة؟ لا أعتقد أن فيسبوك تعرف الإجابة حتى الآن”.

بالنسبة لغانز، فإن خيار الحديقة المسوّرة يناسب فيسبوك تماماً، خاصة إذا كان الغرض من عملة فيسبوك تشجيع المزيد من الأشخاص على استخدام فيسبوك. وأشار إلى أنه على واتساب، سيتم تمرير العملات بين جهات اتصال قائمة، مما يزيد فرص تداولها بين الأصدقاء والعائلة دون الحاجة لاستبدالها نقدياً. وسيكون ذلك أيضاً مفيداً بشكل خاص للشركة حيث تتزايد مكانتها كسوق للبضائع والخدمات. وقد جربت فيسبوك هذا المفهوم من قبل، مع “فيسبوك كريدت”، وهي أموال افتراضية كانت تستخدم لعمليات الشراء من داخل التطبيق على المنصة، ولكن لا يمكن استبدالها بأموال نقدية. وألغتها الشركة في عام 2012.

 

ويقول المتحدث باسم فيسبوك: “مثل العديد من الشركات الأخرى، تستكشف فيسبوك طرقاً جديدة لتعزيز تقنية البلوكتشين. ويعمل هذا الفريق الجديد والصغير على استكشاف العديد من التطبيقات المختلفة. ولكن ليس لدينا أي شيء بعد لنعلن عنه”.

 

على أي حال، هناك مخططات أخرى للدفع عبر الوسائط الاجتماعية ستظهر، وإن كان أي منها لا يشبه ما تقوم فيسبوك بتطويره، وفقاً للتقارير المتداولة. تحاول تطبيقات المراسلة مثل تيليغرام Telegram وسيغنال Signal أيضاً غزو مجال العملات المشفرة المعتمدة على البلوكتشين، ولكن تشير تقارير التايمز إلى أنها لن تكون “عملات مستقرة”. بينما يتمسك الرئيس التنفيذي لتويتر، جاك دورسي، بالخيار الكلاسيكي: البتكوين. وفي الأسبوع الماضي، قام بالترويج لمكون إضافي لمتصفح كروم من غوغل، وصفها بأنها “خدمة بقشيش” لكتابة التغريدات، حيث يسمح للمستخدمين بعمليات تبادل مالية مصغرة عبر شبكة لايتننغ Lightning Network، والمصمم على البلوكتشين لعملة البتكوين. (ويستثمر دورسي في شركة لايتننغ لابز Lightning Labs، التي تطوّر الشبكة).

 

وعلى كلٍ، فإن عملة فيسبوك المستقرة ستضع أمام الآخرين أساساً للمزيد من الأعمال الاستكشافية واستخدامات البلوكتشين. في الأسبوع الماضي، وخلال مناقشة بكلية القانون بجامعة هارفارد، أشار الرئيس التنفيذي، مارك زوكربرغ، إلى أحد الاحتمالات؛ وهو إصدار لا مركزي من فيسبوك كونكت Facebook Connect، حيث يسيطر فيه المستخدمون، وليس فيسبوك، على بياناتهم ويختارون توقيت مشاركتها. ولكن مثل معظم الأشياء التي تعتمد على التشفير، فإن الفكرة لم تفلح مع طريقة العمل الفعلية لشركات مثل فيسبوك. ويعترف مارك: “لم أتوصل إلى طريقة لتحقيق ذلك”.

 

إخلاء المسؤولية: الآراء والتحليلات والأخبار الواردة لا تعكس رأي بت شين. لا ينبغي اعتبار أي من المعلومات التي تقرأها على موقع بت شين بمثابة نصيحة استثمارية، ولا تصادق بت شين على أي مشروع قد يتم ذكره أو ربطه في هذه المقالة. يجب اعتبار شراء وتداول العملات المشفرة نشاطًا عالي المخاطر. ويرجى بذل المجهود الواجب قبل اتخاذ أي إجراء يتعلق بالمحتوى المذكور ضمن هذا التقرير. لا تتحمل بت شين أي مسؤولية في حالة خسارة الأموال في تداول العملات المشفرة.