للبلوكتشين عدَّة تطبيقاتٍ في القطاع العام يمكنها تحسين جودة الخدمات الحكومية، وحماية حقوق الملكية، ومنع الاحتيال، والقضاء على البيروقراطية وتعزيز الشفافية. إلا أن ما لا يدور حوله كثيرٌ من المناقشات هو أن الحكومات ذات النوايا الخبيثة يمكنها كذلك استخدام البلوكتشين لقمع مواطنيها.

 

يُبرِز هذا المقال الطرق التي قد تستغلها الحكومات لإساءة استخدام البلوكتشين بغرض الحدِّ من الحريَّات الفردية لمواطنيها وكَبتِ الآراء المعارضة.

 

حين تعني عملةٌ مشفرةٌ سيِّدةٌ تتبُّع جميع المعاملات المالية

 

العملات المشفرة اللامركزية المبنية على البلوكتشين لديها القدرة على تمكين الحريات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وعلى النقيض، فإن ظهور “العملات المشفرة” المركزية السيِّدة، أي التي تصدرها البنوك المركزية، ينافي كل ما تهدف إليه البتكوين والبلوكتشين وتأملان في إصلاحه.

 

فإن الهدف الرئيسيَّ للعملات المشفرة هو إلغاء مركزية السلطة، لا تعزيز السلطات القائمة بالفعل. وفي وجود سجلات بلوكتشين مركزيةٍ تديرها الدولة، تتركَّز السلطة بقوة في أيدي الحكومات التي تفرض سيطرتها على الشبكة برمَّتها.

 

وقد تفرض العملات المشفرة تحت رقابة الحكومة حدوداً خطيرةً على الحريات المدنية للمواطنين، بما فيها إجراءاتٌ مراوغةٌ مضادةٌ للخصوصية.

 

فعن طريق تتبُّع جميع المعاملات المالية، من شأن المواطنين فقدان سيادتهم المالية والحرية الشخصية المنبعثة من إنفاق المواطن أمواله على أيِّما يشاء.

 

ستؤدي مراقبة جميع المعاملات في النهاية إلى تحصيلٍ جماعيٍّ للبيانات لتحديد النمط السلوكيِّ وأنماط إنفاق كل فردٍ في الدولة، مما قد يُستَغَلُّ ضدَّهم إذا عارضوا الحكومة أو شخصاً على صلةٍ وثيقةٍ بها.

 

حين تُستَخدَم الهويات الرقمية القائمة على البلوكتشين لتتبُّع البصمات الرقمية

 

من أشدِّ التطوُّرات فعاليةً في صناعة البلوكتشين هو التقدُّم في حماية الهويات الرقمية. فالتحقُّق من الهوية مطلوبٌ لكلِّ شيءٍ من التصويت وحتى الرعاية الصحية. وبالنسبة لأكثر من مليار شخصٍ على مستوى العالم لا يملكون هويةً قانونيةً، قد توفِّر الهويات الرقمية حلاً يحتاجونه بشدة.

 

يمكن تخزين الهويات الرقمية على البلوكتشين، ويمكن بعدئذٍ استعمالها في التعامل مع البيانات مثل السِجِلَّات الطبية للمرضى، التي يمكن بسهولةٍ وأمانٍ لموفِّري الرعاية الصحية الاطِّلاع عليها حين يطلب المرضى الرعاية.

 

بيد أنَّه إذا تولَّت حكومةٌ خبيثةُ النوايا زمام نظام الهويات الرقمية وبيانات جميع مواطنيها، يمكنها استعمال هذا في اتِّباع البصمة الرقمية لكل مواطنٍ. على سبيل المثال، إذا كانت حسابات المواقع الاجتماعية، والخدمات المالية، وحسابات شركات الدفع بالهواتف المحمولة للمواطنين مرتبطةً بهوياتهم الرقمية، سيتيسَّر للحكومة كثيراً تتبُّع خطوات الأفراد بالتزامن مع حدوثها.

 

ويحدث هذا بالفعل إلى حدٍّ ما في دولٍ مثل الولايات المتحدة وبريطانيا كما عرفنا من تسريبات إدوارد سنودن لوثائق وكالة الأمن القوميِّ الأميركية. ففي كل يومٍ، تجمع وكالات الاستخبارات مئات ملايين رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية والمكالمات الهاتفية، ويمكنها جمع ملياراتٍ أخرى والبحث فيها. هناك ازدهارٌ في تكنولوجيا تتبُّع الناس والتعرُّف عليهم وهناك إقبالٌ متزايدٌ عليها من الحكومات. أضف إلى ذلك أنظمة التتبُّع الرقميِّ الحالية ببرمجيات التعرف على الأوجه والهويات الرقمية، تجد أن هذا يهدِّد حق المواطن في الخصوصية.

 

ولذلك تحتاج أنظمة الهويات الرقمية القائمة على البلوكتشين إلى التطبيق بعنايةٍ ولا ينبغي أن تنفرد الحكومة وحدها بالإشراف على الشبكة نظراً لضخامة احتمال إساءة استعمالها.

 

حين تُستَخدَم الهويات الرقمية لإنشاء نظامٍ لقياس الائتمان الاجتماعيِّ

 

تتحدَّدُ مشاركة الفرد في النظام الماليِّ بناءً على قياسه الائتمانيِّ، بما في ذلك الموافقات على القروض أو الرهن، ومعدَّلات الفوائد، وأقساط التأمين. فيمكن لهذا التأثير في قدرة الشخص على تأجير شقةٍ أو الحصول على بطاقة ائتمانيةٍ، على سبيل المثال.

 

وتتضمَّن الجهود الأخيرة من الحكومة الصينية نظام ائتمانٍ اجتماعيٍّ يهدف إلى تحديد القيمة الاجتماعية لكل مواطنٍ بناءً على أفعاله.

 

بجمع البيانات من الأجهزة الحكومية وأحكام القضاء وحتى شركات الدفع بالهواتف المحمولة، يوزِّع المخطَّط درجاتٍ فرديةً على كل شخصٍ. فإذا تقاصر المواطن عن تسديد دينٍ أو دخَّن على متن قطارٍ، يمكن أن يوضع في قائمةٍ سوداءَ منشورةٍ على موقعٍ إلكترونيٍّ عامٍّ. والخطة هي تقييم المواطنين بناءً على سجلاتهم المالية والقانونية، وسلوكهم على الإنترنت، وسجلاتهم التعليمية، وأنشطتهم الوظيفية.

 

في حالة تطبيق نظامٌ قمعيٌّ كهذا لقياس الائتمان الاجتماعيِّ واقترانه بتقنية البلوكتشين، ستصير البيانات المخزَّنة على النظام ثابتةً وسهلة النشر للأطراف الخارجية المخوَّلة، كالمؤسسات التي يمكن بدورها أن تتعمَّق في الحدِّ من حرية معيشة الأفراد ذوي التصنيفات المنخفضة.

 

يمكن أن تستخدم الحكومات نظاماً كهذا لقمع مواطنيها، بالأخص من تعتبرهم أقلَّ قيمةً أو من يهدِّدون سلطتها. إذن لدى البلوكتشين القدرة على مضاعفة الطبيعة القمعية لأنظمة قياس الائتمان الاجتماعي.

 

راقب قادتك

 

في حين صُنِعت البلوكتشين لإبطال مركزية السلطة، فإن الحقيقة المؤسفة هي أن التكنولوجيا مع تطورها تزيد إمكانات استخدامها لتمكين الحكومات القمعية.

 

لذا، من الأهمية بمكانٍ توخِّي الحذر من الكيفية الممكنة لإساءة استخدام البلوكتشين عندما تسمع عن تطبيق حكومتك مبادرة بلوكتشين جديدةً، ومن المهم أيضاً التعبير عن رأيك إذا كانت المبادرة التقنية يمكن أن تستحيل أداةً قمعيةً في يد النظام.

 

إخلاء المسؤولية: الآراء والتحليلات والأخبار الواردة لا تعكس رأي بت شين. لا ينبغي اعتبار أي من المعلومات التي تقرأها على موقع بت شين بمثابة نصيحة استثمارية، ولا تصادق بت شين على أي مشروع قد يتم ذكره أو ربطه في هذه المقالة. يجب اعتبار شراء وتداول العملات المشفرة نشاطًا عالي المخاطر. ويرجى بذل المجهود الواجب قبل اتخاذ أي إجراء يتعلق بالمحتوى المذكور ضمن هذا التقرير. لا تتحمل بت شين أي مسؤولية في حالة خسارة الأموال في تداول العملات المشفرة.