يُعتبر فيلم The Matrix واحداً من أبرز أفلام الخيال العلمي على الإطلاق، إذ غيّر فيلم الحركة الديستوبي هذا نظرتنا للمستقبل، والتكنولوجيا، والخطوط التي تزداد ضبابيةً بين العالمين الواقعي والافتراضي.

ففي هذا الفيلم الرائد من عام 1999 انتصرت الآلات الذكية في حربها ضد البشر، الذين دفعوا الثمن في النهاية، حيث استُعبِدَت أجسادهم لحصد الطاقة، بينما ظلت عقولهم منشغلةً داخل المصفوفة (The Matrix)، وهي عبارةٌ عن واقع محاكاة مصمم لإقناعهم بأنّ كل شيء لا يزال على حاله.

ويُثير الفيلم سؤالاً يستحق التفكير: هل تُفضل البقاء في راحة العالم الاصطناعي الذي تعرفه، أم مواجهة الحقائق القاسية للواقع المجهول؟

ونتيجةً للتطورات التقنية الأخيرة، قد تضطر البشرية للإجابة عن هذا السؤال إن عاجلاً أم آجلاً، حسب موقع Tech Radar البريطاني.

إذ حذّر العديد من الباحثين من المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي. كما أن زيادة شعبية البلوكتشين، والتوكنات غير القابلة للاستبدال (NFT)، والميتافيرس تزيد اشتعال النقاش الدائر. فهل ستساعدنا تلك التقنيات على تحسين حياتنا؟ أم تقودنا باتجاه عالمٍ أكثر ظلاماً يُشبه فيلم The Matrix، حيث نقضي وقتاً أطول وأطول داخل مساحةٍ افتراضية لا يمكننا الهروب منها؟

وإليكم ما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار عند النظر من زاوية أهم ثلاث تقنيات في السنوات الأخيرة: التوكنات غير القابلة للاستبدال، والبلوكتشين، والميتافيرس.

التوكنات غير القابلة للاستبدال

حين تتمشى داخل معرضٍ فني تتسنى لك رؤية أعمال فنية لا تقدر بثمن لرسامين مشاهير على مرّ التاريخ، لكن هل سنتمكن على الإطلاق من النظر إلى ملفٍ رقمي كما ننظر للأعمال الفنية التقليدية، ونعتبره مساوياً لروائع بول سيزان أو فان جوخ؟

هنا يأتي دور التوكنات غير القابلة للاستبدال، حيث يحتوي التوكن غير القابل للاستبدال على بيانات ملكية فريدة. وبهذا لا تُعتبر التوكنات أعمالاً فنية في حد ذاتها، لكنها وسيلةٌ تُستخدم لتسجيل ملكية العمل الفني الرقمي، وبدونها سيتسنى لأي شخص أن يزعم ملكيته للملف الأصلي الخاص بالعمل الفني.

وتسمح تقنية التوكنات غير القابلة للاستبدال بالاتصال المباشر بين الفنانين وبين جامعي الأعمال الفنية، لكنها تمنحنا كذلك وسيلةً للتحقّق من ملكية الأعمال الفنية الرقمية، والعناصر النادرة داخل الألعاب، والمساحات الافتراضية، وأسماء النطاقات. وداخل العالم الافتراضي ستحظى التوكنات غير القابلة للاستبدال بأهميةٍ متزايدة.

فهل ستحل الأعمال الفنية الرقمية يوماً محل تلك اللوحة المعلقة على حائط منزلك؟ أشك في ذلك.

وهناك أيضاً جانبٌ مظلم لعالم التوكنات غير القابلة للاستبدال، الذي لا يخضع حالياً لأي إرشادات تنظيمية مباشرة. فضلاً عن أنّ التوكنات غير القابلة للاستبدال، مثلها مثل الفنون الجميلة، تستمد قيمتها من المبلغ الذي سيدفعه الناس مقابل الحصول عليها. علاوةً على أنّ مستوى التقلبات في مجال التوكنات غير القابلة للاستبدال (والعملات المشفرة) شديدٌ للغاية، وليس هناك مجال استثمار نجاحه مضمون بنسبة 100%، أضف إلى ذلك أن مجال التوكنات غير القابلة للاستبدال تحديداً شديد المضاربة، لذا فمن السهل أن تخسر أموالك إن لم تكن حذراً.

والفنانون على الجانب المقابل معرضون أيضاً لخطر سرقة الأعمال الفنية، والسرقة الفكرية، والاحتيال بسبب أن العالم الافتراضي يمنح المستخدمين القدرة على إخفاء الهوية، الأمر الذي يستغله لصوص الفن من معدومي الضمير لصالحهم. إلى جانب بعض المخاوف البيئية التي تُثيرها التوكنات غير القابلة للاستبدال، مثل حاجة بلوكتشين الإيثريوم Ethereum -التي تستضيف تلك التوكنات- لكميات طاقة هائلة من أجل مواصلة عملياتها.

وكما هو الحال مع أي فضاءٍ غير منظم، فهناك العديد من المشكلات التي يمكن أن تحدث.

البلوكتشين

قد تكون هناك العديد من الاستخدامات لتقنية البلوكتشين، لكنها تلعب دوراً حيوياً باعتبارها السجل الذي تعتمد عليه غالبية العملات المشفرة مثل البيتكوين والإيثريوم (ETH).

وسوف يتوسّع دور البلوكتشين في المستقبل على الأرجح. حيث يمكن استخدامها في التحقق من الهوية، وتخزين وحماية البيانات، وتمكين المستخدمين من التصويت رقمياً بأمان، وكلها عوامل مهمة للحفاظ على سلامة الناس في العالم الرقمي.

وقد بدأ الكثيرون الاستثمار في العملات الرقمية مع زيادة قبول الشركات للعملات المشفرة في الدفع، وبعد أن صارت السلفادور أول دولةٍ تجعل البيتكوين عملةً قانونية. ما يجعلنا معتمدين أكثر فأكثر على أمان شبكات البلوكتشين لحماية أموالنا.

ولكن كما كان الحال في فيلم The Matrix، فإنّ أهمية العملات المشفرة على المدى البعيد قد تكون مجرد وهمٍ صدقناه. لأنّ سوق العملات المشفرة لا مركزيةٌ مثل سوق التوكنات غير القابلة للاستبدال، فضلاً عن أنّها أكبر سوقٍ غير منظمة في العالم.

وإخفاء الهوية وانعدام الرقابة التنظيمية المرتبطان بالعملات المشفرة يجعلانها جذابةً للشخصيات الكريهة في العالم الرقمي. فهي تلقى قبول المجرمين لصعوبة رصدها وتعقبها، ولهذا تُستخدم في هجمات برامج الفدية، وغسيل الأموال، ومعاملات الإنترنت المظلم، والإرهاب، وتجارة المخدرات غير المشروعة على مستوى العالم.

حيث قدّرت دراسةٌ أُجرِيَت مؤخراً أنّ 3% من إجمالي معاملات البيتكوين فقط ترتبط بأنشطةٍ غير قانونية، بينما بدأت السلطات تتحسّن في تحليل المعاملات على البلوكتشين. لكن هذا لا يعني أنّ هذه التقنية أصبحت خاليةً من المشكلات.

ويُمكن القول إنّ زيادة الرقابة الحكومية هي من وسائل إدارة مخاطر العملات المشفرة، ولكن كيف ستتمكن بشكلٍ فعال من تنظيم عملة لا مركزية بالكامل ولا تخضع لأي سلطةٍ قضائية بعينها؟

الميتافيرس

في فيلم The Matrix، عُرِضَت على شخصية “نيو” حبة حمراء وأخرى زرقاء، حيث ستُعيده الحبة الزرقاء إلى راحة عالم المصفوفة المألوف لديه، بينما ستأخذه الحبة الحمراء إلى واقعٍ قاسٍ وغير مضمون. واليوم أصبح هذا العمل الفني البارز أكثر اتصالاً بواقعنا من أي وقتٍ مضى، خاصةً مع ظهور مفهوم الميتافيرس.

ويتخيّل الناس عوالم الميتافيرس باعتبارها مكاناً يتواصل المستخدمون فيه عبر الإنترنت داخل مساحات افتراضية، بمساعدة أجهزة الواقع الافتراضي والتقنيات الأخرى. ومن خلال شخصية الأفاتار خاصتك، ستتمكن من التنقل عبر الميتافيرس كما تفعل في الحياة الواقعية. ويمكنك كذلك حضور اجتماعات افتراضية، وحفلات موسيقية، ومؤتمرات، وحتى التسوّق داخل الميتافيرس من راحة منزلك. ولا شكّ أنك ستستطيع داخل الميتافيرس استعراض مشترياتك من التوكنات غير القابلة للاستبدال، التي اشتريتها باستخدام العملات المشفرة، القائمة على البلوكتشين.

وكل هذا سيكون جزءاً مهماً من الجيل الثالث للويب، وهو أحدث تصوّرٍ للإنترنت باعتباره مساحةً لا مركزية تمنح المستخدمين المزيد من الاستقلالية، والتحكم، وفرص الاتصال بدون سلطةٍ مركزية.

فحين أعلن الرئيس التنفيذي لفيسبوك مارك زوكربيرغ، في أكتوبر/تشرين الأول، عن تغيير اسم الشركة ليصبح ميتا Meta؛ تساءل الملايين عما سيعنيه ذلك بالنسبة للمستقبل، وإلى أي مدى قد تصير حياتنا متداخلةً مع الواقع الافتراضي، لكنه ليس حلم زوكربيرغ بمفرده، فهناك عشرات الشركات العملاقة التي استثمرت بالفعل الكثير من الموارد في الميتافيرس.

فهناك عمالقة التقنية أمثال Sony وMicrosoft، اللتين أدركتا القيمة الهائلة لتحقيق حلم الميتافيرس بصورةٍ كاملة، إلى جانب شركات تجزئة مثل Chipotle وNike التي تستعد لبيع منتجاتها الافتراضية في هذا العالم الافتراضي الجديد. ناهيك عن صناديق الاستثمار التي تتسابق على مساعدة المستثمرين في الحصول على جزءٍ من الكعكة.

وقد يبدو الأمر جذاباً، لكن حلم الميتافيرس لا يزال محفوفاً بالمشكلات المحتملة أيضاً. وهذا يشمل مخاوف سرقة الهوية، والاحتيال، والمخاوف الأمنية، وكلها مشكلات ذات أرضية قانونية وبانتظار الحل.

كما أن عيش حياتنا في عالم واقعٍ افتراضي قد يحمل معه بعض المخاطر الأخرى أيضاً، إذ نعلم بالفعل إلى أي مدى يمكن أن نُدمن قضاء الوقت أمام شاشات هواتفنا، وخاصةً بالنسبة للعقول الصغيرة. فكيف سيكون تأثير عالم انغماسي ثلاثي الأبعاد على إدمان الإنترنت، مقارنةً بتأثير فيسبوك والشبكات الاجتماعية الأخرى التي نستخدمها اليوم؟

وإذا نشأ أطفالنا في عالمٍ يغلب عليه الطابع الافتراضي، فما الذي سيعنيه ذلك بالنسبة لمستقبلهم ورفاههم؟

فهل تفضل إذن الحبة الزرقاء للميتافيرس؟ أم الحبة الحمراء للعالم الواقعي؟ من حسن حظك أن أحداً لم يبدأ في طرح هذا السؤال بعد، حيث إنّ أمامنا العديد من السنوات قبل أن يتحقّق حلم الميتافيرس بالكامل كما تتصوره شركة ميتا، لكننا سنجد أنفسنا أمام تساؤلٍ آخر: ما مقدار الوقت الذي نرغب في قضائه داخل المساحات الافتراضية من حياتنا الشخصية والمهنية؟

هل التقنية معنا أم علينا؟

تُعتبر المسؤولية الشخصية من أهم الرسائل الضمنية لفيلم The Matrix، إذ نتمتع جميعاً بالإرادة الحرة للاختيار بين العالمين الواقعي والافتراضي. ويسري الأمر نفسه على أساليب حياتنا التي تزداد رقمنةً يوماً بعد يوم، مع امتلاكنا جميعاً قدرةً -ولو جزئية- على تحديد مقدار الوقت والاهتمامات والأموال التي نستثمرها في التقنيات والمنصات الافتراضية الجديدة.

ففي السنوات الأخيرة قدمت لنا التطورات التقنية الكثير من المزايا ووسائل الراحة التي سمحت لنا بالتواصل، والعمل، والتسوق، واللعب، والحصول على الرعاية الصحية بطرقٍ لم تكن متاحةً من قبل.

وعلى المستوى الفردي، انبهر العديدون منا بسحر العملات المشفرة والتوكنات غير القابلة للاستبدال، كما يشعرون بالحماس للفرص التي قد تُتيحها عوالم الميتافيرس.

لكن علينا أن نأخذ وقتنا لفهم مخاطر أي شكلٍ جديد من أشكال التقنية، حتى نضمن ألا نخاطر بأموالنا، ورفاهنا، وصحتنا.

فضلاً عن أن التقنية هي من صنع الإنسان، ما يعني أن لدينا القدرة على بنائها وتشكيلها بما يتماشى مع احتياجاتنا. وحتى إن لم تكن من العاملين في مجال التقنية فبإمكانك التصويت باستخدام محفظتك الاستثمارية، واختيار دعم الشركات والاستثمارات التقنية التي ترى أنّها أخلاقية وآمنة.

وكما قالت شخصية “مورفيس” في فيلم The Matrix: “ما هو الواقع؟ وكيف تُعرّف الشيء (الواقعي)؟ إذا كان الواقع بالنسبة لك هو ما تشعر به، وما تشمه، وما يمكنك تذوقه ورؤيته؛ فالواقع بالنسبة لك هو مجرد إشارات كهربائية يفسرها دماغك”.

وبينما يدفعنا العالم الذي يزداد افتراضيةً إلى التساؤل عن الفارق بين الواقع والخيال؛ تذكّر أن التقنية موجودةٌ لتحسين حياتنا وليس الهيمنة عليها.

إخلاء المسؤولية: الآراء والتحليلات والأخبار الواردة لا تعكس رأي بت شين. لا ينبغي اعتبار أي من المعلومات التي تقرأها على موقع بت شين بمثابة نصيحة استثمارية، ولا تصادق بت شين على أي مشروع قد يتم ذكره أو ربطه في هذه المقالة. يجب اعتبار شراء وتداول العملات المشفرة نشاطًا عالي المخاطر. ويرجى بذل المجهود الواجب قبل اتخاذ أي إجراء يتعلق بالمحتوى المذكور ضمن هذا التقرير. لا تتحمل بت شين أي مسؤولية في حالة خسارة الأموال في تداول العملات المشفرة.