في تسلسلٍ مخيف للأحداث، وإن كان مألوفاً للأسف، تستهدف البنوك البريطانية مالكي العملات المشفرة. تعرض الأفراد الذين باعوا كميات كبيرة من العملات المشفرة بصورة شرعية لتجميد أصولهم وإغلاق حساباتهم دون إنذار مسبق، بدافعٍ من مخاوف غسل الأموال وغياب الثقة في البتكوين بشكلٍ عام. بل ويزعم واحدٌ من الضحايا أن الشرطة البريطانية اقتحمت منزله وصادرت معداته الحاسوبية في عملية تابعة للحملة.

 

حرب المصارف التقليدية على العملات المشفرة تستعر

 

لم تكن العملات المشفرة والمصارف التقليدية على وفاق منذ البداية، لكن ذلك لم يكن ضرورياً. في حين فتحت بعض المناطق ذراعيها للعملات المشفرة، مثل جبل طارق، وجزيرة مالطا، وليختنشتاين التي افتتحت فيها شركة Binance سوق تداول بين العملات النقدية والعملات المشفرة، فإن أغلب البلدان الأخرى اتخذت منها موقفاً معادياً. والمملكة المتحدة مثالٌ رئيس على ذلك. إن لم تكن تابعاً لشركة كبرى مثل كوين بيس Coinbase، التي وقعت اتفاقاً مع بنك باركليز مؤخراً، فلا تعتمد على الحسابات البنكية إن كنت تتعامل بالعملات المشفرة. فعلى موقع النظير للنظير localbitcoins.com، يتداول المتاجرون بالعملات المشفرة في بريطانيا كميات كبيرة من البتكوين كل يوم، ويطلبون من بعضهم أن تذكر الملاحظة المرفقة بالتحويلات البنكية سبباً للتحويل لا علاقة له بالعملات المشفرة، وإلا فهم عرضة للخطر.

 

هذا الأسبوع، اكتشف أحد الرموز البارزة في مجال العملات المشفرة في بريطانيا، لسوء حظه، سرعة وحدة الحملة التي تشنها المصارف البريطانية ما إن تعتبر أحد الأفراد غير مرغوبٍ فيه. انخرط الرجل، الذي يسميه المقال جون، في تداول العملات المشفرة لأعوامٍ طوال، يعدِّنها بنشاط ويتاجر بها بين الحين والآخر، ويلعب دوراً رفيعاً في الفريق القائم على مشروع عملة من العملات المشفرة المئة الأبرز. سجله خالٍ من السوابق الإجرامية، وقد التزم بقوانين المملكة المتحدة المتعلقة باللوائح التنظيمية والضرائب المالية. يقول جون لموقع bitcoin.com: “جمد بنك كلايدزديل حسابي البنكي واحتجز أرصدتي دون تحذير أو تفسير.. وقال لي مدير الفرع في نهاية المطاف أن البنك لا يرغب في التعامل مع (هذا الصنف من الناس)، يقصد مستخدمي العملات المشفرة”.

 

منع الدخول دون إنذار

 

يشرح جون: “حاولت الدخول إلى حسابي الجاري في بنك كلايدزديل في وقتٍ متأخر من ليلة الثلاثاء (الحساب الذي امتلكته منذ طفولتي)، فقط لتظهر لي رسالة تقول (عذراً، لا يمكننا مساعدتك عبر شبكة الإنترنت بعد الآن). ثم جربت التطبيق، فقال: (حسابك مغلق، رجاءً الاتصال). اتصلت بمركز الخدمة فقط ليخبرني الشخص الموجود على الطرف الآخر بأنه لم يتمكن من الولوج إلى حسابي ولا التأكد من سلامة رصيدي (البالغ ستة أرقام بالجنيه الاسترليني). قال لي إنه عاجزٌ بالكلية عن مساعدتي وأن عليَّ الاتصال بالمقر الرئيسي في الصباح”.

 

يُكمل جون: “اتصلت بالمركز الرئيسي هذا الصباح ووضعوني على الانتظار 20 دقيقة. وحين عاد الموظف، أخبرني أن هناك رسالة بريدية موجهة إليّ، لكنه لا يقدر على إخباري بالمزيد عما يحدث أو ما إذا كان رصيدي آمناً. لذا طلبت أن يوصلني بصاحب المنصب الأرفع في الفرع، الذي أخبرني حينها أن حسابي قد أُغلِق لكنه لا يقدر على إخباري بالسبب أو بالجهة التي أغلقت الحساب. ورفض حتى إخباري بالقسم الحكومي الذي وضع الحظر على حسابي. وقال لي إن الخيار الوحيد المتاح هو التوجه إلى الفرع المحلي وطلب سحب رصيدي يدوياً. غير أنه شرح لي أن سحب مدخراتي يحتاج إلى موافقة من البنك، ومن ثمَّ لا أحد يمكنه أن يضمن لي الحصول على نقودي”.

 

ويُضيف “كان موظفو الفرع المحلي الريفي لا يدرون شيئاً عن الأمر كما لك أن تتوقع. جلست أراقب المساعدة تتصل بالمكتب الرئيسي في محاول لمعرفة ماذا يحدث بحق الجحيم. ورفض المقر الرئيسي إخبارها في وجودي، لذا لجأوا إلى التسلل وإرسال رسالة بريدٍ إلكتروني اضطرت هي لمغادرة الغرفة والاطلاع عليها. وبعد 20 دقيقة وبضع مكالمات هاتفية سمعتها من الغرفة المجاورة، ظهرت أخيراً مع شخصٍ آخر اتضح أنه مدير الفرع”.

 

هذا الصنف من الناس

 

ويُكمل جون: “جلس مدير الفرع وشرح لي أن البنك قد راجع المعاملات الصادرة من حسابي والواردة إليه وقرر أنه لا يريد التعامل مع (هذا الصنف من الناس). حينها طلبت فوراً سحب رصيدي في الحساب الذي لم يكن هيناً، ورد عليَّ مدير الفرع بأنه سيحتاج إلى طلب الموافقة على السحب أولاً”.

 

جون ليس الوحيد الذي مر بهذه التجربة. في بريطانيا، كما في بلدان أخرى عديدة، يعاني مستخدمو العملات المشفرة من أمرٍ لطالما كانوا يعرفونه، وهو أن البنوك لا يمكن ائتمانها على أموالك. فشخصيتك السابقة وتقييمك الائتماني ووظيفتك، كلها لا قيمة لها إن اتخذت مؤسسة من المؤسسات المالية التقليدية موقفاً رافضاً لتداول العملات المشفرة والإتجار بها. قبل بضعة أيام من منع جون من ولوج حسابه البنكي في البنك الذي تعامل معه لأكثر من 20 عاماً، كان مواطن بريطاني آخر يتعرض لموقف أكثر رعباً.

 

قال الرجل لأعضاء منتدى /biz/ على موقع 4chan، “تعرض منزلي للمداهمة بالأمس في الساعة السادسة والنصف صباحاً بسبب بيع ما قيمته 500 ألف جنيه استرليني من عملات البتكوين في ديسمبر/كانون الأول 2017، واعتقلتني السلطات بتهمة غسل الأموال وحيازة ممتلكات إجرامية في بريطانيا”. وحين طلب منه الأعضاء مزيداً من التفاصيل أكمل: “عملات البتكوين التي بعتها كانت شرعية، اشتريتها في عامي 2012 و2013، وقد صادروا بعض عملاتي المشفرة أيضاً وحاسوبي الشخصي وكل أقراص USB والأقراص الصلبة، وفتشوا منزلي كله واصطحبوني إلى قسم الشرطة، وعينوا لي محامٍ واستجوبوني، ثم سألوني من أين عرفت بالبتكوين، وأجبتهم من موقع 4chan وموقع للعب البوكر”.

 

مداهمة المنزل من جانب الشرطة بسبب بيع عملات البتكوين

 

ويكمل كاتب المنشور مجهول الهوية: “أخلت الشرطة سبيلي في اليوم نفسه في الرابعة مساءً تقريباً، وقال المحامي إن الأزمة مرت بسلام وإن الشرطة أخلت سبيلي دون كفالة لكنني (على ذمة التحقيق)، كأنهم يقولون (ليس لدينا أدلة ضدك، لكن مرحى، سنحتفظ بممتلكاتك على كل حال). لقد فتشوا منزلي وربما ظنوا أنني تاجر مخدرات، وشعروا بخيبة أمل لأنهم لم يجدوا أي شيء من هذا القبيل، لذا أخمن أنهم قد قفزوا إلى استنتاجات خاطئة. البنك هو من بدأ هذا الهراء بتجميد حساباتي”.

 

لم نتمكن من التحقق من صحة هذه القصة، لكن التفاصيل المتعمقة التي صاحبتها صورة تُظهر ما يزعم الرجل أنه مذكرة التفتيش التي قدمتها له الشرطة تُشير إلى صحة الرواية. بدأت متاعب الرجل حين حاول بيع عملاته المشفرة في مقابل عملات نقدية، ما أدى ببنك ناتويست إلى تجميد حسابه. ومن جهة أخرى، شرح جون للموقع أنه قد باع مؤخراً أصولاً مادية متنوعة من أجل تمويل مشروع تجاري جديد يحتاج إلى العملات النقدية. بعبارة أخرى، لم يبِع جون فجأة كمية ضخمة من العملات المشفرة أثارت شكوك السلطات وأدت إلى حدوث الواقعة. فحيازة مبلغ معتبر من العملات النقدية، إضافة إلى تاريخه في بيع مبالغ صغيرة من العملات المشفرة، كانت كافية.

 

أما كاتب المنشور على منتدى /biz/ فقد زعم أنه باع كمية ضخمة من عملات البتكوين في أواخر 2017، جزئياً من أجل تسديد ضرائبه التي بلغت 11 ألف جنيه استرليني. لكن هذا لم يبعده عن دائرة الاشتباه. ويؤكد الرجل أن قوات الشرطة “اختطفتني حرفياً وسرقت أموالي، كأنهم يقولون (لا ندري إن كنت قد ارتكبت أي جريمة حصلت بها على هذا المال، لكن مرحى، سنصادر ممتلكاتك ونداهم منزلك على أي حال)”.

 

الأموال في أمان

 

انتهت واقعة جون نهاية أفضل من توقعاته، إذ حول بنك كلايدزديل رصيده إلى بنك جديد أسرع جون بالانضمام إليه. ويُنهي قصته قائلاً: “كل أموالي الآن في حساب آخر، ولن أذكر اسم البنك لأحول دون تكرار هذا التمييز السخيف ضدي. لقد أغضبتني بشدة معاملتي كأنني مجرم (بلا دليل ولا سبب وجيه) من جانب المنظمة التي ظللت وفياً لها طوال عشرين عاماً”.

 

ربما يأتي يوم يتلقى فيه مستخدمو العملات المشفرة المعاملة الكريمة والاحترام من المؤسسات المالية التقليدية. لكن عندما يأتي ذلك اليوم، ربما يكون اقتصاد العملات المشفرة قد تطور إلى حدٍ لا يحتاج معه المتعاملين بالبتكوين إلى البنوك التي أعرضت عنهم في الماضي.

 

إخلاء المسؤولية: الآراء والتحليلات والأخبار الواردة لا تعكس رأي بت شين. لا ينبغي اعتبار أي من المعلومات التي تقرأها على موقع بت شين بمثابة نصيحة استثمارية، ولا تصادق بت شين على أي مشروع قد يتم ذكره أو ربطه في هذه المقالة. يجب اعتبار شراء وتداول العملات المشفرة نشاطًا عالي المخاطر. ويرجى بذل المجهود الواجب قبل اتخاذ أي إجراء يتعلق بالمحتوى المذكور ضمن هذا التقرير. لا تتحمل بت شين أي مسؤولية في حالة خسارة الأموال في تداول العملات المشفرة.